أحمد بن يحيى العمري
24
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ويستغني عن اللباس ، اتخذه رياشا له دون اللباس . أعرض عن ملاذ الدنيا ورفضها ، وفرّغ منها يديه ونفضها ، وتجرّد من الدنيا إلا حب يستره ، وجب يشهره ، كأنما يتوقى من ماطل الفجر أشراكا خاتلة ، ومن روائق النجوم نبالا قاتلة ، فكان لا يستطيب مندياره مقيلا ، ولا يستطب لعثاره مقيلا ، فلم يأو جدارا ولا أطما ، ولا ألجم رأسه عذارا ولا خطما ، حتى انتهى إلى ما بلغ ، وشفي كلب الموت من دمه ما ولغ . قال أبو القاسم صاعد : " هو من تلاميذ فيثاغورس " . واقتصر [ من علوم الفلسفة ] على العلوم الإلهية ، وخالف اليونان في عبادة الأصنام ، وحاجّ رؤساءهم بالأدلة ، فنقدوا العالم عليه « 1 » ، واضطروا ملكهم إلى قتله ، فأودعه السجن ، ثم سقاه السم « 2 » . وله وصايا شريفة ، وآداب فاضلة ، وحكم مشهورة ، ومذاهب قريبة من فيثاغورس وبندقليس « 3 » ، إلا أن له في المعاد « 4 » آراء ضعيفة بعيدة عن محض الفلسفة ، خارجة عن المذاهب المحققة " . وكان لا يستودع الحكم الصحف والقراطيس تنزيها لها ، ويقول : " الحكمة طاهرة مقدّسة ، غير فاسدة ، ولا دنسة ، فلا ينبغي أن نستودعها إلا الأنفس الحية ، وننزهها عن الجلود الميتة ، ونصونها عن القلوب المتمردة " . ولم يصنف كتابا ، ولا أملى على أحد من تلاميذه ما أثبته في قرطاس ؛ وإنما كان يلقنهم علمه تلقينا .
--> ( 1 ) : في طبقات الأمم ، وعيون الأنباء " فثوّروا العامة عليه " أي : أثاروهم ضده . ( 2 ) : انظر : " طبقات الأمم " لابن صاعد - صفحة 75 ، تحقيق حياة العيد بو علوان . ( 3 ) : أي مذاهب في الصفات كما مر قريبا . ( 4 ) : في الأصل المخطوط : " العدد " والصواب أثبتناه من : طبقات الأمم صفحة 75 ، وعيون الأنباء 70 .